ابن سبعين
179
بد العارف
والذي خلقهما فافهم . واما قوله تعالى : « شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » ( 1 ) الآية . فالشهادة هنا لو جعلناها للجسم في قوله تعالى وأولوا العلم لوضعناه بصفة الكمال وهذا من المحال . ولما كان الانسان جوهرا روحانيا أعطاه الله قبول الشهادة . وهيأه لقبول الصفات الكاملة حتى أن العالم يحصل التسعة والتسعين الأسماء الحسنى بالتصور والاكتساب ، ويقدر من عند نفسه ان يتصف بها ويحصلها . وعند حصولها يحصل الاسم الأعظم ، وكأنها مقدمات له وهو النتيجة لها . ولو كان جسما لوجب [ 52 أ ] ان يعلم بعضه ويجهل بعضه ، إذ الجسم منقسم والروح واحد وهذا هو المفهوم من خطاب الله تعالى فافهمه . وأما قوله تعالى « إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ » « 2 » الآية ، فهذه الأمانة ان جعلناها عرضا وجعلنا الحامل لها كذلك قلنا الصفة تحمل نفسها ، ووجب ان يكون المحمول موضوعا . وان جعلناها عرضا في جسم قلنا إن الخطاب بآخر يمنعنا مفهومه عن ذلك . وذلك ان السماوات والأرض لم تحملها ، والله تعالى قد أخبر بذلك . ولو أراد ان يكون ذلك الا وكان . إذ لو جعلنا مفهوم الانسان وجوهره هو الذي يفهم من السماوات والأرض . وانما جاء الخبر عنهما بمعنى العجز ، كما يقال تعجز الثلاثة أن تكون في رتبة الأربعة ، بمعنى لا يمكن ذلك . والعرب قد تطلق الالفاظ العدمية على ما تطلق السالبة والمتقابلة . وجوهر الانسان مفارق للمادة والسماوات مادية فوقع البيان بحسب رتبتها في الوجود . وكان قبول الانسان للأمانة ذاته ، ووصف بأنه ظلوما لكونه ضيع عظيما ، لكونه زهد في كماله بترك ما يجب من حمل الأمانة . وعرض الأمانة على الجبال والسماوات تعريفا للعلماء ان جوهر الانسان ، وان كان في عالم الكون ، هو أرفع من جوهر السماوات الجسمانية .
--> ( 2 ) - سورة 33 آية 72 .